فصل: تفسير الآية رقم (47):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (45- 46):

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)}
قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ} قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي {والله خالق كل} بالإضافة. الباقون {خَلَقَ} على الفعل. قيل: إن المعنيين في القراءتين صحيحان. أخبر الله عز وجل بخبرين، ولا ينبغي أن يقال في هذا: إحدى القراءتين أصح من الأخرى. وقد قيل: إن {خَلَقَ} لشيء مخصوص، وإنما يقال خالق على العموم، كما قال الله عز وجل: {الْخالِقُ الْبارِئُ} [الحشر: 24].
وفي الخصوص {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 1] وكذا: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ} [الأعراف: 189]. فكذا يجب أن يكون: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ}. والدابة كل ما دب على وجه الأرض من الحيوان، يقال: دب يدب فهو داب، والهاء للمبالغة. وقد تقدم في البقرة {مِنْ ماءٍ} لم يدخل في هذا الجن والملائكة، لأنا لم نشاهدهم، ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء، بل في الصحيح: «إن الملائكة خلقوا من نور والجن خلقوا من نار». وقد تقدم.
وقال المفسرون: {مِنْ ماءٍ} أي من نطفة. قال النقاش: أراد أمنية الذكور.
وقال جمهور النظرة: أراد أن خلقة كل حيوان فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين، وعلى هذا يتخرج قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للشيخ الذي سأله في غزاة بدر: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نحن من ماء». الحديث.
وقال قوم: لا يستثنى الجن والملائكة، بل كل حيوان خلق من الماء، وخلق النار من الماء، وخلق الريح من الماء، إذ أول ما خلق الله تعالى من العالم الماء، ثم خلق منه كل شي.
قلت: ويدل على صحة هذا قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ} المشي على البطن للحيات والحوت، ونحوه من الدود وغيره. وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى. والأربع لسائر الحيوان.
وفي مصحف أبى {ومنهم من يمشى على أكثر}، فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسرطان والخشاش، ولكنه قرآن لم يثبته إجماع، لكن قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشى على أربع عن ذكر ما يمشى على أكثر، لان جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهى قوام مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها. قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان، وهى كلها تتحرك في تصرفه.
وقال بعضهم: ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثر من أربع، إذ لم يقل ليس منها ما يمشى على أكثر من أربع. وقيل فيه إضمار: ومنهم من يمشى على أكثر من أربع، كما وقع في مصحف أبى. والله أعلم. و{دَابَّةٍ} تشمل من يعقل وما لا يعقل، فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا يعقل، لأنه المخاطب والمتعبد، ولذلك قال: {فَمِنْهُمْ}. وقال: {مَنْ يَمْشِي} فأشار بالاختلاف إلى ثبوت الصانع، أي لولا أن للجميع صانعا مختارا لما اختلفوا، بل كانوا من جنس واحد، وهو كقوله: {يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ}. [الرعد: 4]. {يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ} مما يريد خلقه {قَدِيرٌ}. {لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} تقدم بيانه في غير موضع.

.تفسير الآية رقم (47):

{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)}
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ} يعني المنافقين، يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص. {وَأَطَعْنا} أي ويقولون، وكذبوا. {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}.

.تفسير الآيات (48- 50):

{وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)}
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} قال الطبري وغيره: إن رجلا من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان المنافق مبطلا، فأبى من ذلك وقال: إن محمدا يحيف علينا، فلنحكم كعب بن الأشرف، فنزلت الآية فيه.
وقيل: نزلت في المغيرة بن وائل من بنى أمية، كان بينه وبين علي بن أبى طالب رضي الله عنه خصومة في ماء وأرض فامتنع المغيرة أن يحاكم عليا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: إنه يبغضني، فنزلت الآية، ذكره الماوردي. وقال: {لِيَحْكُمَ} ولم يقل ليحكما لان المعنى به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما بدأ بذكر الله إعظاما لله واستفتاح كلام.
الثانية: قوله تعالى: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} أي طائعين منقادين، لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحق. يقال: أذعن فلان لحكم فلان يذعن إذعانا.
وقال النقاش: {مُذْعِنِينَ} خاضعين، ومجاهد: مسرعين. الأخفش وابن الاعرابي: مقرين. {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} شك وريب. {أَمِ ارْتابُوا} أم حدث لهم شك في نبوته وعدله. {أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} أي يجور في الحكم والظلم. وأتى بلفظ الاستفهام لأنه أشد في التوبيخ وأبلغ في الذم، كقوله جرير في المدح:
ألستم خير من ركب المطايا ** وأندى العالمين بطون راح

{بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي المعاندون الكافرون، لإعراضهم عن حكم الله تعالى الثالثة: القضاء يكون للمسلمين إذا كان الحكم بين المعاهد والمسلم ولا حق لأهل الذمة فيه. وإذا كان بين ذميين فذلك إليهما. فإن جاءا قاضى الإسلام فإن شاء حكم وإن شاء أعرض، كما تقدم في المائدة.
الرابعة: هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم لان الله سبحانه ذم من دعى إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم فقال: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} الآية. قال ابن خويز منداد: واجب على كل من دعى إلى مجلس الحاكم أن يحيب، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو عداوة بين المدعى والمدعى عليه. وأسند الزهراوي عن الحسن ابن أبى الحسن أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من دعاه خصمه إلى الحاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له». ذكره الماوردي أيضا. قال ابن العربي: هذا حديث باطل، فأما قوله: «فهو ظالم» فكلام صحيح، وأما قوله: «فلا حق له» فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق.

.تفسير الآية رقم (51):

{إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)}
قوله تعالى: {إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي إلى كتاب الله وحكم ورسوله. {أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا} قال ابن عباس: أخبر بطاعة المهاجرين والأنصار، وإن كان ذلك فيما يكرهون، أي هذا قولهم، وهؤلاء لو كانوا مؤمنين لكانوا يقولون سمعنا وأطعنا. فالقول نصب على خبر كان، واسمها في قوله: {أَنْ يَقُولُوا} نحو: {وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا} [آل عمران: 147].
وقيل: إنما قول المؤمنين، وكان صلة في الكلام، كقوله تعالى: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29]. وقرأ ابن القعقاع {ليحكم بينهم} غير مسمى الفاعل. علي بن أبى طالب {إنما كان قول} بالرفع.

.تفسير الآية رقم (52):

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (52)}
قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمر به حكم. {وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ} قرأ حفص: {ويتقه} بإسكان القاف على نية الجزم، قال الشاعر:
ومن يتق فإن الله معه ** ورزق الله مؤتاب وغادي

وكسرها الباقون، لان جزمه بحذف آخره. وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر. واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والبستي عن أبى عمرو وحفص. وأشبع كسرة الهاء الباقون. {فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ} ذكر أسلم أن عمر رضى الله عنه بينما هو قائم في مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله. قال: هل لهذا سبب! قال: نعم! إنى قرأت التوراة والزبور والإنجيل وكثيرا من كتب الأنبياء، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله فأسلمت: قال: ما هذه الآية؟ قال قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ} في الفرائض {وَرَسُولَهُ} في السنن {وَيَخْشَ اللَّهَ} فيما مضى من عمره {وَيَتَّقْهِ} فيما بقي من عمره: {فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ} والفائز من نجا من النار وأدخل الجنة. فقال عمر: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أوتيت جوامع الكلم».

.تفسير الآية رقم (53):

{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (53)}
قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ}
عاد إلى ذكر المنافقين، فإنه لما بين كراهتهم لحكم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا، فنزلت هذه الآية. أي وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستأنف ويطيعون. {جَهْدَ أَيْمانِهِمْ} أي طاقة ما قدروا أن يحلفوا.
وقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين. وقد مضى في الأنعام بيان هذا. و{جَهْدَ} منصوب على مذهب المصدر تقديره: أقساما بليغا. {قُلْ لا تُقْسِمُوا} وتم الكلام. {طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ}أولى بكم من أيمانكم، أو ليكن منكم طاعة معروفة، وقول معروف بإخلاص القلب، ولا حاجة إلى اليمين.
وقال مجاهد: المعنى قد عرفت طاعتكم وهى الكذب والتكذيب، أي المعروف منكم الكذب دون الإخلاص. {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ}
من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل.

.تفسير الآية رقم (54):

{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54)}
قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} بإخلاص الطاعة وترك النفاق. {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أي فإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين. ودل على هذا أن بعده {وَعَلَيْكُمْ} ولم يقل وعليهم. {فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ} أي من تبليغ الرسالة. {وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ} أي من الطاعة له، عن ابن عباس وغيره. {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} جعل الاهتداء مقرونا بطاعته. {وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} أي التبليغ {الْمُبِينُ}.

.تفسير الآية رقم (55):

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55)}
نزلت في أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، قاله مالك.
وقيل: إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شكا جهد مكافحة العدو، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يضعون أسلحتهم، فنزلت الآية.
وقال أبو العالية: مكث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة عشر سنين بعد ما أوحى إليه خائفا هو وأصحابه، يدعون إلى الله سرا وجهرا، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح. فقال رجل: يا رسول الله، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه السلام: «لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملا العظيم محتبيا ليس عليه حديدة». ونزلت هذه الآية، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنوا. قال النحاس: فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لان الله عز وجل أنجز ذلك الوعد. قال الضحاك في كتاب النقاش: هذه الآية تتضمن خلافة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى لأنهم أهل الايمان وعملوا الصالحات. وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الخلافة بعدي ثلاثون». وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه، واختاره وقال: قال علماؤنا هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الاربعة رضي الله عنهم، وأن الله استخلفهم ورضى أمانتهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم، لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر الامر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبوا عن حوزة الدين، فنفذ الوعد فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز، وفيهم نفذ، وعليهم ورد، ففيمن يكون إذا؟ وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما بعده. رضي الله عنهم. وحكى هذا القول القشيري عن ابن عباس. واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا». قال سفينة: أمسك عليك خلافة أبى بكر سنتين، وخلافة عمر عشرا، وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة، وخلافة على ستا.
وقال قوم: هذا وعد لجميع الامة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها، كالذي جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب. قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله، حتى في المفتين والقضاة والأئمة، وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من الخلفاء. ثم ذكر اعتراضا وانفصالا معناه: فإن قيل هذا الامر لا يصح إلا في أبى بكر وحده، فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة، وعلى قد نوزع في الخلافة. قلنا: ليس في ضمن الأمن السلامة من الموت بأي وجه كان، وأما على فلم يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن، وليس من شرط الأمن رفع الحرب إنما شرطه ملك الإنسان لنفسه باختياره، لا كما كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة. ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا فاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الأمن والعز. قلت: هذه الحال لم تختص بالخلفاء الاربعة رضي الله عنهم حتى يخصوا بها من عموم الآية، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم. ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال: {إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً} [الأحزاب: 10- 11]. ثم إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيرا، وأمن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وهو المراد بقوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}. وقوله: {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني بنى إسرائيل، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا} [الأعراف: 137]. وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم، فصح أن الآية عامة لامة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير مخصوصة، إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم. وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه السلام: «لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملا العظيم محتبيا ليس عليه حديدة».
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والله ليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون». خرجه مسلم في صحيحه، فكان كما أخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فالآية معجزة النبوة، لأنها إخبار عما سيكون فكان. قوله تعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} فيه قولان: أحدهما- يعني أرض مكة، لان المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل، قال معناه النقاش.
الثاني- بلاد العرب والعجم. قال ابن العربي: وهو الصحيح، لان أرض مكة محرمة على المهاجرين، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لكن البائس سعد بن خولة». يرثى له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن مات بمكة.
وقال في الصحيح أيضا: «يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا». واللام في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} جواب قسم مضمر، لان الوعد قول، مجازها: قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها. {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني بنى إسرائيل، أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم. وقراءة العامة: {كَمَا اسْتَخْلَفَ} بفتح التاء واللام، لقوله: {وَعَدَ}. وقوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ}. وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم: {استخلف} بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول. {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ} وهو الإسلام، كما قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] وقد تقدم. وروي سليم بن عامر عن المقداد ابن الأسود قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما بذلهم فيدينون بها». ذكره الماوردي حجة لمن قال: إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم، وهو القول الثاني، على ما تقدم آنفا. {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} قرأ ابن محيصن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف، من أبدل، وهى قراءة الحسن، واختيار أبى حاتم. الباقون بالتشديد، من بدل، وهى اختيار أبى عبيد، لأنها أكثر ما في القرآن، قال الله تعالى: {تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ} [يونس: 64]. وقال: {وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً} [النحل: 101] ونحوه، وهما لغتان. قال النحاس: وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال: قرأ عاصم والأعمش: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} مشددة، وهذا غلط عن عاصم، وقد ذكر بعده غلطا أشد منه، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف. قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا، وأنه يقال: بدلته أي غيرته، وأبدلته أزلته وجعلت غيره. قال النحاس: وهذا القول صحيح، كما تقول: أبدل لي هذا الدرهم، أي أزله وأعطني غيره. وتقول: قد بدلت بعدنا، أي غيرت، غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الأخر، والذي ذكره أكثر. وقد مضى هذا في النساء والحمد لله، وذكرنا في سورة إبراهيم الدليل من السنة على أن بدل معناه إزالة العين، فتأمله هناك. وقرى: {عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا} [القلم: 32] مخففا ومثقلا {يَعْبُدُونَنِي} هو في موضع الحال، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص. ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم. {لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} فيه أربعة أقوال: أحدها- لا يعبدون إلها غيري، حكاه النقاش.
الثاني- لا يراءون بعبادتي أحدا.
الثالث- لا يخافون غيري، قاله ابن عباس.
الرابع- لا يحبون، غيري قاله مجاهد. {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ} أي بهذه النعم. والمراد كفران النعمة لأنه، قال تعالى: {فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ} الكافر بالله فاسق بعد هذا الأنعام وقبله.